الطلاب يديرون ظهورهم للقطاع المصرفي مفضلين #العقارات

0001218574

عندما أنهى ديفيد جلايتمان الجامعة في عام 2009 أراد، مثل كثير من الخريجين الشباب الذين درسوا العلوم المالية، وظيفة برّاقة في قطاع الخدمات المصرفية الاستثمارية. لكن القطاع كان ينهار تماماً في الوقت الذي كان يبحث فيه بعناية عن عمل في مسقط رأسه في ميونيخ، في ألمانيا.

بدلاً من ذلك انتهى به الأمر إلى فترة تدريب في شركة عقارات أمريكية. وبعد أربعة أعوام أصبح “متحمّساً للعمل” وسجّل للحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال في نيويورك لدراسة الموضوع.

جلايتمان ليس استثناء. الأزمة المالية أرسلت موجات التغيير عبر سوق الوظائف العالمية. فبعد سبعة أعوام من الأزمة لا يزال القطاع المصرفي المسحوق لا يلقى رواجا بين خرّيجي درجة الماجستير في إدارة الأعمال. بدلاً منه ارتفعت شعبية قطاع العقارات، كبش الفداء في فترة الركود الكبير، بين الطلاب بسبب تحمّس السوق وفتح مزيد من فرص العمل في القطاع.

عائدات الاستثمار وقيم أصول العقارات التجارية تجاوزت مستويات عام 2007، بمساعدة أعوام من أسعار الفائدة المنخفضة للغاية وقلّة العرض. وارتفعت أسعار صندوق أو ريت للاستثمار في العقارات بنسبة 80 في المائة بين عامي 2010 و2014، بفضل الطلب القوي على المكاتب والشقق في المناطق الحضرية، والعائدات المرتفعة مقارنة بالسندات.

تقول نانسي والاس، أستاذة العقارات في كلية هاس للأعمال في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، إن هذه الطفرة غذّت اهتماما “ضخما” من الطلاب. “إنهم يهربون من القطاع المصرفي (…) قطاع العقارات دوري، وطلاب ماجستير إدارة الأعمال يتبعون الدورات عن كثب فعلاً”.

10.6 في المائة فقط من الخرّيجين من أبرز عشر كليات للأعمال في العالم يختارون مهنة في القطاع المصرفي، مقارنة بـ 17.4 في المائة عام 2008. ووفقاً لتحليل أجرته “فاينانشيال تايمز”، الانخفاض بواقع 6.8 نقطة مئوية يُترجم إلى فارق بنسبة 40 في المائة في شعبية القطاع المصرفي. في كلية لندن للأعمال وكلية هارفارد للأعمال، تراجعت شعبيته بنسبة 52 في المائة. انعدام الأمن الوظيفي، وساعات العمل الطويلة والكآبة التي تُحيط بالقطاع تُبعِد أذكى الطلاب عما كان في السابق خط تجميع ينتهي في القطاع المصرفي نحو مزيد من ريادة المشاريع. وتفوقت شركات التكنولوجيا، مثل جوجل وفيسبوك، على جولدمان ساكس باعتباره صاحب العمل الذي يحلم به الطلاب. لكن العقارات ظهرت أيضاً باعتبارها مسارا بديلا لسبب بسيط هو وجود فرص عمل.

يقول أليكس ليبويتز، طالب ماجستير إدارة الأعمال في جامعة نيويورك: “أولاً وقبل كل شيء، يرى الناس أن هناك فرص عمل في القطاع الآن (…) والقدرة على جني مبلغ لائق من المال”. ويضيف: “الناس يرون أنك تستطيع العمل في قطاع العقارات وتكون أمورك جيدة، والعمل على أشياء مُثيرة للاهتمام وليس مجرد العمل في بنك”.

فرص العمل غالباً ما تكون عاملاً حاسماً لطلاب ماجستير إدارة الأعمال، وكثير منهم يدفع عشرات الآلاف من الدولارات ويتخلّى عن وظيفة بدوام كامل لإكمال الدراسة. ويُشير مراقبون إلى أنه في عالم أسعار الفائدة فيه عند أدنى مستوياتها القياسية وسوق الأسهم في حالة تقلب، تُصبح العقارات فئة الأصول الأكثر منطقية بالنسبة للمستثمرين المؤسسين. يقول ستيفن شابيرو، من مجموعة جونز لانج لاسال في نيويورك، إن ما كان يُعتبر في عام 2006 قديم الطراز وغير سائل، وأكثر خطورة من الأسهم أو السندات، أصبح الآن “فئة الأصول الأساسية”.

هذه السمعة تُحفّز الاحتراف في الصناعة وتوسّع نطاق الشركات في هذا المجال. يقول ستيجن فان نيوويربور، أستاذ المالية في كلية شتيرن للأعمال في جامعة نيويورك: “هناك كثير من صناديق التقاعد وصناديق الثروة السيادية التي توسّع محافظها الاستثمارية بشكل كبير في مجال العقارات”. هذا التوسّع يوفر فرص عمل في قطاع العقارات تتجاوز كونك مطوّرا أو مالكا على الأرض. ويضيف: “أصحاب العمل يتّصلون بي يومياً لتعميم الشواغر بين طلاب العقارات في جامعتنا”. وتقول البروفيسورة والاس إن كلية هاس للأعمال تؤمّن فرص عمل لجميع طلاب ماجستير إدارة الأعمال في مجال العقارات.

ويقول أساتذة في جامعة جورجتاون، وجامعة نيويورك، وجامعة بيركلي إنهم شهدوا ارتفاعاً كبيراً في الطلب على المقررات الدراسية الخاصة بالعقارات، مع ملء هذه الفصول بسرعة. وفتحت الجامعات، أو عزّزت العروض لتلبية الطلب. فقد رصدت جامعة جورجتاون في نيسان (أبريل) الماضي عشرة ملايين دولار لإنشاء مركز عقارات جديد في كلية الأعمال التابعة لها، لتحذو بذلك حذو جامعة راتجرز وجامعة ميامي في عام 2013 وجامعة نيويورك في عام 2012. ويقول الأستاد فان نيوويربور: “القطاع المصرفي، على الأقل في ذلك الوقت (عام 2009) يبدو أنه كان يتقلّص والتمويل العقاري كان المكان الطبيعي للتوسّع فيه”.

باستثناء المد والجزر الناتج عن الدورة، يقول الطلاب إن العقارات توفّر اتصالا بالجمال الفعلي والأصول الملموسة، مقارنة بالأوراق المالية الوهمية. وفي الوقت الذي يفقد فيه القطاع المصرفي السلامة المتصوّرة التي كان يملكها فيما مضى وفي الوقت الذي يحقق فيه عوائد أقل من ثُلث تلك التي كانت قبل الأزمة، يُعيد الطلاب تقييم ما يُريدونه.

وظائف العقارات في شركات الأسهم الخاصة أو صناديق التحوّط تتضمن مهارات مماثلة للقطاع المصرفي: التحليل، والتسعير، وعقد الصفقات. لكن ليبويتز يقول إنها تجذب نوعا مختلفا من الطلاب. “إذا نظرنا إلى قطاع العقارات في مدينة نيويورك، نرى أن الذكور يُهيمنون عليه بشكل كبير (…) لكنه ليس شرساً فيما يتعلّق بفئة الذكور المُهيمنة، بقدر القطاع المصرفي. فالثقافة مختلفة قليلاً”.

ويقول الأساتذة إن مهارات الناس هي الأساس. وبحسب البروفيسور سايبر: “هم ليسوا من موظفي المبيعات، لكن ينبغي أن تكون لديهم قدرة فطرية على التفاعل”. كما يتطلب أيضاً رغبة في اتخاذ المخاطر، لأن التوظيف أقل تنظيماً مما هو في القطاع المصرفي أو الاستشارات، حيث الشركات الكبيرة تأتي إلى الحرم الجامعي لتعيين عدد معين من الطلاب كل عام.

وفي حين أن دورة العقارات ظهرت في الرغبة المُكتشفة حديثاً للدراسة في مجال العقارات، إلا أن هناك تساؤلات حول المدة التي سيستمر فيها هذا الشغف. ويشير مستثمرون ومحللون منذ الآن إلى احتمال أن تكون العقارات قد بلغت ذروتها مرة أخرى، والأسعار ربما ستنخفض في الأعوام، أو حتى الشهور المُقبلة، إن لم تتعرض للانهيار تماماً.

ومع قرار الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة في كانون الأول (ديسمبر) الماضي سترتفع عائدات السندات، الأمر الذي يجعل العقارات أقل جاذبية ويُلحق الضرر بالأسعار. وبالفعل انخفضت أسعار صندوق ريت للاستثمار في العقارات بنسبة 8.5 في المائة منذ نيسان (أبريل) الماضي. وأشار الاحتياطي الفيدرالي للقطاع باعتباره عاملاً حاسماً في الانتعاش الاقتصادي في أمريكا ودليلا على أن ظروف الائتمان تُصبح ضعيفة.

وبحسب مايكل كيربي من شركة جرين ستريت للمستشارين، مع اقتراب الأسعار من أعلى مستوياتها على الإطلاق في بعض القطاعات “انتقلنا بسرعة كبيرة من كون العقارات رخيصة، إلى كون العقارات باهظة الثمن”. وترى شركة جرين ستريت أن هناك احتمالا بنسبة 70 في المائة أن تكون أسعار العقارات بعد عام أقل مما هي عليه الآن.

وهذا ينطوي على خطر يتمثل في كل هؤلاء الطلاب المتجهين صوب قطاع العقارات يُمكن أن يتم تركهم في العراء، تماما في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى وظيفة، الأمر الذي يُكرّر تاريخ أقرانهم الأكبر سناً في القطاع المصرفي. وتقول والاس إن جامعة بيركلي تُحدد حجم الفصول لمكافحة هذا الخطر. وهناك جهود مماثلة تجري في كلية وارتن وجامعة نيويورك.

في الوقت الراهن، الطلاب والجامعات سيركبون موجة شعبية العقارات في الوقت الذي تكون فيه السوق متحمّسة، لكن كثيرا منهم مدركون لحالات الازدهار والكساد التي ستُحدد مصيرهم.

يقول البروفيسور سايبر: “قبل انهيار بنك ليمان، التركيز على ماجستير إدارة الأعمال في القطاع المالي كان مُخيفاً (…) لهذا السبب ذهب الجميع إلى التكنولوجيا. نحن محظوظون الآن لنستفيد من مرحلة قوية في الدورة (…) أملي هو أن نستفيد منها لبضعة أعوام أخرى لترسيخ برنامجنا”.

آنا نيكولاو – لندن (نقلاً عن صحيفة الاقتصادية)

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات